الإعلانات
الجمعة, أبريل 20, 2018

#نقد_الطب_النفسي.. في الجامعة درستُ علم النفس، ودراسة علم النفس شيءٌ، ودراسة الطب النفسي شيءٌ آخر طبعًا، ولكن ما الذي يُقدّمه الطب النفسي تحديدًا؟ بقليلٍ من التفاؤل الحذر أستطيع أن أقول: “لا شيء على الإطلاق.” هنالك نوعان من الأمراض النفسيَّة: أمراضٌ عُصابيَّةٌ، وأمراضٌ ذهانيَّةٌ. وبطبيعة الحال؛ فإنَّ الأمراض العُصابيَّة قد تتحوَّل إلى أمراضٍ ذهانيَّةٍ في حال لم يتم علاجها في الوقت المُناسب. ولكن ما هو الفرق بين المرض العُصابي، والمرض الذهاني؟ الأمراض العُصابيَّة هي اضطراباتٌ يُمكننا أن نُطلق عليها لقب (اعتياديَّة) أو (بسيطة)، وتحدث هذه الاضطرابات نتيجةَ بعض الضغوط الحياتيَّة أو نتيجة التعرض لبعض المواقف المُحرجة أو المُزعجة، مما يتسبب عنه زعزعةٌ وخللٌ في المزاج العام، ومن الأمراض العُصابيَّة القلق، والتوتر، والوسواس القهري، والاكتئاب العُصابي والذي يُشبه -إلى حدٍ كبير جدًا- فساد المزاج أو ما نُسميه نحن بالـ”دبرسة” أو حالة القرف. ولكن الأمراض الذهانيَّة فهي اضطراباتٌ حادةٌ في الشخصيَّة، ومما يُفرّق بين العُصابي والذهاني أنَّ العُصابي لا يكون مُنفصلًا عن واقعه؛ إذ يكون مُدركًا تمامًا بواقعه، فهو يعلم أين هو، ومَن هو، وما هي ظروفه، ومَن هم الأشخاص المُحيطون به، بينما الذهاني لا يُدرك أيًا من ذلك، لأنَّه مُنفصلٌ تمامًا عن الواقع، ويعيش في واقعٍ آخر من صُنع خياله، ومن أمثلة الأمراض الذهانيَّة البارانويا، والفصام، والهلاوس السمعيَّة والبصريَّة، وكما يُقال: إن كان المريض العُصابي يبني قصورًا من خيال، فالمريض الذهاني يسكن فيها. وبحسب ما سبق؛ فإنَّ الأمراض الذهانيَّة تحتاج إلى تدخلٍ طبي فعلًا، وأحيانًا يكون التدخل الطبي في شكل عملياتٍ جراحيَّةٍ أو عقاقير. والطب النفسي ينجح إلى حدٍ بعيدٍ في علاجها، ولكن ما الذي يُقدّمه الطب النفسي للمرضى العُصابيين؟ إنَّ أفضل ما يستطيع الطبيب النفسي فعله للمريض العُصابي، يستطيع أي صديقٍ فعله أيضًا، فأغلب علاجات الأطباء النفسيين تعتمد على تقنية البوح؛ إذ يتمدَّد المريض على الأريكة، ويبدأ بالتكلّم عن مُشكلته، ويسترسل في الحديث. فكرة الحديث، والبوح، والفضفضة هذه فعلًا تُفيد البعض؛ فالبعض يشعرون بالارتياح عند مُشاركتهم للآخرين ما يعتلج في دواخلهم، ولكن فكرة أنَّ العُصابي مُستبصرٌ بمُشكلته، تجعل حل المُشكلة حرفيًا في يده هو، وليس في يد الطبيب. إذا مرَّ الإنسان بحالةٍ من الاكتئاب العُصابي، نتيجة فشله في تحقيق حلمٍ ما، فليس للطبيب حيلةٌ إزاء هذا الأمر. فطالما لم يتحقق حلم هذا الشخص، فسوف يظل الاكتئاب مُلازمًا له. ولكن في بعض الأحيان يلجأ الأطباء النفسيون إلى إقناع المريض بأنَّ هنالك أمورًا أُخرى يُمكنه تحقيقها؛ فإذا لم ينجح في تحقيق حلمه بالحصول على وظيفةٍ ما، فإنَّ الطبيب يُحاول لفت انتباهه إلى وظائف أُخرى يُمكنه القيام بها، والنجاح فيها. فمثلًا، إذا كانت هنالك امرأةٌ تُريد أن تُصبح رائدة فضاء، ولكنها في كل مرَّةٍ تفشل في اجتياز اختبارات الكفاءة اللازمة، عندها سوف تُصاب بالإحباط، لأنها غير قادرةٍ على التخلص من وزنها مثلًا أو لأنَّها غير قادرٍة على التخلص من رهاب الأماكن المُغلقة (بالمُناسبة: ليس هنالك أي علاجٍ للفوبيا من هذا النوع، ولا فوبيا الأماكن المُرتفعة أو فوبيا الأماكن المُزدحمة ووو إلخ) وفشل المرأة في هذه الاختبارات يجعلها تُصاب بالاكتئاب الناجم عن فقدان ثقتها بنفسها، وأيضًا فقدان تقديرها لذاتها. فما يفعله الطبيب النفسي غالبًا، هو الاستفادة ممَّا تحكيه له المريضة، بأن يكتشف مهارةً أُخرى لديها، فيعمل على لفت انتباهها إلى تلك المهارة، واستغلالها. فيكتشف –مثلًا- أنَّها تُجيد الطبخ، فينصحها باستغلال هذه المهارة، واتخاذها كمهنةٍ لها، فينصحها أن تفتح مطعمًا مثلًا. في الحقيقة إنَّ ما يفعله الطبيب في مثل هذه الحالة، هو أنَّه يُدير مفتاح اهتماماتها إلى شيءٍ آخر، غير ما تُريده هي، ويُقنعها بأنَّها قد تنجح كطبَّاخة، ومن الممكن جدًا أن تنجح في ذلك فعلًا، وبعد بضع سنواتٍ قد تُصبح مديرةً لسلسلةٍ من المطاعم الناجحة. ولكن هذا لا علاقة له بمُشكلتها الأساسيَّة، فلم تكن مُشكلتها أنَّها ليست ناجحةً في أي شيءٍ على الإطلاق؛ بل مُشكلتها أنَّها لم تكن ناجحةً في أن تكون رائدة فضاء. مُعظم الأطباء النفسيون يلعبون على وتر خداع المرضى بأنَّ ما يهتمون به ليس مُهمًا في واقع الأمر، وأنَّه ليس نهاية الكون، وأنَّه يتوجب عليهم ألَّا يحصروا حياتهم واهتماماتهم في هدفٍ واحدٍ فقط، وأن يكونوا مرنين لتقبُّل خيار الفشل في شيءٍ، في مُقابل إمكانيَّة النجاح في شيءٍ آخر، وتكون النتيجة أنَّ يترك المريض حلمه الأساسي، ويتنازل عنه، ليعمل شيئًا لم يكن شغفه في يومٍ ما. إنَّ الطبيب النفسي الوحيد للمريض العُصابي هو المريض نفسه، وإن كان حلمه مُقيدًا بعوائق..

الإعلانات

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: