الإعلانات
الجمعة, أبريل 20, 2018
علماء واشخاص

كيف سنتكمن من رؤية الثقوب السوداء وتصويرها لأول مرة!

الثقوب السوداء! يا لها من كيانات ساحرة وغامضة حقًا! ومن الحسن الحظ أنها سوداء… فاللون الأسود أكثر غموضًا بالطبع! تخيلوا معي لو كانت حمراء، أو … لكن لحظة واحدة! هل هي سوداء حقًا؟ نحن نصفها بالسوداء لأنها “تمتص” كل شيء بما في ذلك كل أطياف اللون المرئي، ولأنها غير ظاهرة كذلك لنا، أي أنها “مظلمة” بلا لون أو طيف ظاهر نستطيع تمييزها به بالرصد المباشر.

لكن حتى لو كان لها لون أسود صريح واضح، هل تعتقد أننا نستطيع رؤيتها أو رصد صورتها الحقيقية من على بعد آلاف السنين الضوئية؟ دعكم حتى من الثقوب السوداء المخادعة، ولنتكلم عن شيء قريب واضح صريح كالشمس … إحم بل هي الشمس فعلًا! هل تعتقد أن الشمس لونها أصفر كما يفترض بها أن تكون؟ أو حتى حمراء كما نراها في الصور أو الأفلام؟ في الواقع، قد تبدو لنا الشمس صفراء، أو برتقالية أو حمراء لأن ألوان أشعتها قصيرة الموجة كالأخضر، والأزرق، والبنفسجي تتناثر وتتشعشع في غلافنا الجوي فلا يصل إلينا منها إلا الأحمر، والأصفر والبرتقالي. ما لون الشمس إذن؟ مزيج من كل الألوان بالطبع! أي أن لون الشمس أبيض ساطع بلا لون معين، ونحن نتحدث مرة أخرى عن لون الشمس هناك، في الفضاء المظلم قارس البرودة والوحدة!

فإذا كان تحديد لون شيء بهذا القرب والضخامة والاستقامة كالشمس بهذه الصعوبة لنا، فما بالكم بتلك الكيانات المراوغة، المظلمة، الأكثر تعقيدًا والقصية كالثقوب السوداء؟ لا غرو إذن أننا لم نستطع إلى الآن تصويرها أو حتى تخيلها بشكل قاطع حتى الآن. لكن هذا قد يتغير وإلى الأبد في شهر إبريل القادم عندما يحاول مرصد أفق الحدث (Event Horizon Telescope (EHT التقاط أول صورة في تاريخنا البشري الحديث لثقب أسود وأفق حدثه كذلك!

وهو لا يحاول التقاط صورة أي ثقب أسود، بل هو ثقب مميز للغاية بالنسبة لنا: ثقب القوس أ Sagittarius، ذلك الوحش الذي يقبع في مركز مجرتنا درب التبانة! حيث سيقضي مرصد EHT ما يقارب 10 أيام كاملة لتجميع البيانات الواردة إليه، لكن الصورة الحقيقية للثقب الأسود لن تكون جاهزة لمشاهدتها إلا بعد تحليل ومعالجة تلك البيانات بالكامل، الأمر الذي سيستغرق من أعتى أجهزة الحاسب وأسرعها حاليًا في العالم حتى عام 2018 لتحقيق هذا! لا داعي للإحباط على الإطلاق هنا، فالأمر ليس بالببساطة التي قد يبدو عليها الأمر للوهلة الأولى كما سنرى في السطور المقبلة!

كيف يعمل مرصد أفق الحدث (Event Horizon Telescope (EHT؟

مرصد EHT لا يتكون من تليسكوب واحد في الواقع، بل هو أقرب لما يمكن أن نصفه بـ “تجميعة” أو “تعاون” عدد من التليسكوبات الراديوية حول العالم واتصالها معًا لتعمل كمرصد واحد أقوي بكثير. فلرصد شيء مراوغ وبالغ البعد كثقب أسود، يتوجب علينا إما بناء تليسكوب راديو هائل بحجم قارة، وهو أمر مستحيل بالطبع، أو الربط بين ما لدينا من تليسكوبات متباعدة لتعمل معًا ككيان واحد! وهو ما كان بالفعل مع مرصد EHT، حيث يضم أسماءً لامعة في عالم الفلك والرصد مثل مصفوف مرصد أتاكاما المليمتري الكبير Atacama Large Millimeter Array ALMA وتليسكوب القطب الجنوبي South Pole Telescope SPT ومرصد very-long-baseline-interferometry VLBI. هكذا، يصير لدينا مرصد عملاق بحجم كوكبنا نفسه!

هذه القوة المخيفة التي حازها مرصد EHT ضرورية للغاية ومبررة كذلك عندما نتعامل مع الثقب الأسود القوس أ Sagittarius A؛ فعلى الرغم من أن كتلته تبلغ 4 مليون ضعف كتلة شمسنا، فهو بقطر يبلغ 20 مليون كم فقط. لذا، على بعد يبلغ 26 ألف سنة ضوئية من الأرض، يبدو هذا الثقب الأسود ضئيلًا  يصعب رصده على ضخامته المهولة في الواقع!

ولكي يعمل مرصد EHT بالدقة المطلوبة، يتم معايرة كل تليسكوب مشارك من خلال ساعة ذرية تضبط الوقت به بدقة تبلغ جزء من تريليون جزء من الثانية كل ثانية!

وكما لكم أن تتوقعوا، سيستقبل مرصد EHT كميات خيالية من البيانات في كل لحظة؛ لهذا تم تزويده بجيش من أقراص التخزين الصلبة، والتي سيتم نقلها جوًا إلى مرصد Haystack بمعهد معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT لمعالجة البيانات التي تحويها، وهو ما يتطلب بالتبعية الاستعانة بحاسب شبكي grid computer أشبه بحاسب خارق يتكون من 800 وحدة معالجة مركزية تعمل في آن واحد!

الإعلانات

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: